محمد حسين هيكل
158
حياة محمد ( ص )
التفكير في أمر قريش ومكة وجعل محمد يمكّن للحضارة التي وضع حجر الأساس فيها بتعاليمه ومثله ؛ وجعل يفكر هو وأصحابه من المهاجرين فيما لم يفتهم التفكير لحظة فيه منذ هجرتهم من مكة : فيما يجب أن يكون موقفهم من قريش وأمرهم معهم . ولقد كان يدفعهم إلى هذا التفكير دوافع عدة ؛ ففي مكة كانت الكعبة ببيت إبراهيم ومكان حجهم وحج العرب جميعا . أفتراهم ينقطعون عن هذا الواجب المقدس الذي كانوا يقومون به إلى يوم أخرجوا من مكة ! وفيها ما يزال لهم أهل تهوي إليهم نفوسهم وتشفق من بقائهم على الشرك أفئدتهم وقلوبهم . وفيها بقيت أموالهم ومتاعهم وتجارتهم مما منعتهم قريش منه حين هجرتهم . ثم إنهم إذ حضروا المدينة كانت موبوءة بالحمّى فأصابهم منها عنت شديد ، وبلغت منهم حتى جهدوا مرضا وكانوا يصلون قعودا ، فزاد ذلك في تحنانهم إلى مكة . وهم قد أخرجوا من مكة كارهين ، فكأنهم خرجوا مغلوبين على أمرهم . وليس في طبع هؤلاء القرشيين أن يصبروا على الضيم أو أن يذعنوا للغلب دون تفكير في الثأر لأنفسهم منه . وإلى جانب هذه الدوافع جميعا كان يحركهم الدافع الطبيعي دافع الحنين إلى الوطن ، إلى هذا المكان الذي منه نبتنا وفيه نشأنا ولأرضه وسهله وجبله ومائه كان أول حديثنا وأوّل صداقتنا وأوّل ودّنا . هذه البقعة من الأرض نمّتنا صغارا فإليها مثوانا كبارا ، بها تتعلق قلوبنا وعواطفنا ، وعنها نذود بقوتنا وبمالنا ، ونضحي بمجهودنا وبحياتنا ، وفيها نود أن ندفع بعد موتنا لنعود إلى ترابها الذي خرجنا منه . هذا الدافع الطبيعي أذكى في أنفس المهاجرين سائر الدوافع ، وجعلهم لا ينفكون يفكرون في قريش وفيما يجب أن يكون موقفهم منها . لن يكون هذا الموقف موقف استسلام أو استخذاء وقد صبروا فيها على الأذى ثلاثة عشر عاما سويّا . والدين الذي احتملوا فيه هذا الأذى والذي هاجروا في سبيله لا يقرّ الضعف ولا اليأس ولا الاستكانة . وإذا كان يمقت الاعتداء وينكره ، ويقرّر الإخاء ويدعو إليه ، فإنه يفرض الدفاع عن النفس وعن الكرامة وعن حريّة العقيدة وعن الوطن . ولهذا الدفاع أتم محمد مع أهل يثرب بيعة العقبة الكبرى . فكيف يؤدي المهاجرون هذا الفرض عليهم للّه ولبيته الحرام ولوطنهم مكة المحبّب إلى قلوبهم ؟ ! هذا ما ستّتجه إليه سياسة محمد والمسلمين معه ، حتى يتم له فتح مكة ، وحتى يعلو دين اللّه وتعلو كلمة الحق فيها .